Mr. Mazen Salah El Ejla
Al-Azhar University - Gaza
مستقبل التنمية في ظل الحصار
The Future of Development under Siege
ورقة عمل مقدمة إلى مؤتمر "الحصار والصحة النفسية...الحواجز والجسور"
27-28/10/2008
غزة- فلسطين
إعداد/ مازن صلاح العجلة
باحث ومحاضر في الاقتصاد
مرشح للحصول على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة الجزائر
سبتمبر 2008
ملخص
تهدف هذه الورقة لتحديد اثر الحصار بمفهومه الواسع على مستقبل عملية التنمية، من خلال استعراض عدة مواضيع تبدأ بتحديد مفهوم الحصار وتفرق بين الحصار بمفهومه الضيق الذي يعني الإغلاق والحصار بمفهومه الواسع والذي يشمل كافة السياسات الإسرائيلية، تستعرض الورقة كذلك آليات الحصار والقيود التي يفرضها الحصار على عملية التنمية لتنتهي بوضع تصور عام لرؤية مستقبلية للتنمية في الأراضي الفلسطينية. تستهل الورقة استعراضها بالتركيز على عدة نقاط،حيث تؤكد على أن الحديث عن التنمية يقتضي التركيز على استخدام المفهوم الموسع للحصار، باعتبار أن نجاح عملية التنمية يحتاج إلى انتهاء كافة الممارسات الإسرائيلية، كذلك أكدت الورقة على ضرورة التركيز على أن التبعية للاقتصاد الإسرائيلي تعتبر المعضلة الأساسية للاقتصاد الفلسطيني. تحت عنوان آليات الحصار، تستعرض الورقة العديد من الممارسات الإسرائيلية والتي تمثل آليات للحصار الشامل، على رأسها "شبه الاتحاد الجمركي" الذي يربط الاقتصاد الفلسطيني قسرا بالاقتصاد الإسرائيلي، وقد زادت خطورة هذا الاتحاد الجمركي خطرا بعد أن أضفى اتفاق باريس الاقتصادي عليه الطابع الرسمي ورسخ بذلك علاقات التبعية. ومن الآليات أيضا الإغلاق المتكرر والشامل الذي بدا عام 1996 وتطورت أدواته وإشكاله حتى وصل إلى الإغلاق الشامل والمستمر لقطاع غزة. واعتبرت الورقة أن مصادرة الأراضي وتجريفها وتدميرها وتدمير البنى التحتية المادية والممتلكات الخاصة والعامة من الآليات الخطيرة التي ألحقت أضرارا فادحة بالاقتصاد الفلسطيني.إضافة لآليات أخرى مثل حجز إسرائيل لأموال السلطة المستحقة لها، وإغلاق الطريق الآمن، والسيطرة على الموارد الاقتصادية وخاصة المياه. على صعيد القيود التي يفرضها الحصار فقد تحددت بعدة قيود أولها الافتقار إلى السيادة الوطنية، والتشوهات الهيكلية للاقتصاد الفلسطيني التي أفرزتها سنوات الاحتلال. وعدم قدرة السلطة على وضع سياسة اقتصادية فعالة بسبب عدم تمكنها من أدوات السياسة المالية والنقدية. ركزت الورقة على التدهور الاقتصادي وتآكل القدرة الإنتاجية باعتباره قيدا قاسيا على التنمية نتيجة انخفاض مستوى دخل الفرد وزيادة معدلات البطالة والفقر وضعف القدرة الإنتاجية. ومن القيود أيضا صعوبة قيام علاقات اقتصادية مع دول العام بحكم اتفاقية باريس وآليات التبعية، إضافة إلى قيود أخرى تتعلق بالمالية العامة وتحكم إسرائيل بأدواتها وحجزها لأموال السلطة. البند الأخير في الورقة وتحت عنوان نظرة إلى الإمام، يؤكد قبل أن يقترح تصورا عاما لإستراتيجية تنموية قصيرة المدى وأخرى طويلة المدى، على أن التبعية هي المشكلة الأساسية وكل ما نشهده مظاهرها فقط، وانه في ظل الانقسام لا يمكن الحديث عن تنمية اقتصادية، وان العلاقة مع إسرائيل ستبقى علاقة صراع إلى أن توافق على إقامة الدولة الفلسطينية، الأمر الذي يقتضي التعامل بحنكة لدعم صمود الشعب الفلسطيني من خلال رؤية تنموية مناسبة. على صعيد الإستراتيجية قصيرة المدى والتي تعالج المرحلة الراهنة وتهدف إلى تعزيز صمود الشعب الفلسطيني والتخفيف عن المواطنين، تقترح الورقة عدة عناصر منها ضرورة إصلاح الأضرار وتعويض المتضررين نتيجة العدوان الإسرائيلي والحصار الشامل، والاهتمام بالمساعدات الإنسانية وتفعيلها واستغلالها جيدا، وتلبية الاحتياجات الأساسية للشعب الفلسطيني بالاعتماد على الإنتاج المحلي ودعم القطاعات الإنتاجية، والاهتمام بتطوير رأس المال البشري والاجتماعي والحفاظ على البنى الاقتصادية والمؤسسية وحمايتها وتفعيل برامج الإصلاح.وهذه العناصر يتم تنفيذها في إطار يتضمن عدة نقاط منها: ربط الإغاثة بالتنمية وتوجيه النشاط الاقتصادي نحو نمط استهلاك تقشفي لتحفيز الادخار استغلال المساعدات الأجنبية استغلالا جيدا من خلال لجنة وطنية لإدارتها. الإستراتيجية بعيدة المدى تركز على وضع خطة فعالة لإزالة التشوهات والاختلالات الهيكلية الناشئة عن التبعية، وإدماج الاقتصاد الفلسطيني إقليميا وعالميا وتنويع علاقاته، إضافة إلى ضرورة سد فجوة الموارد في الاقتصاد الفلسطيني من خلال تنشيط قدرة العرض المنخفضة لتوسيع القطاعات الإنتاجية لتساهم بنصف الناتج المحلي. لذلك تؤكد الإستراتيجية على ضرورة اعتماد إستراتيجية لتحقيق النمو المستدام، وتنمية القطاع الخاص، والاهتمام بالحكم الرشيد الذي يشمل مكافحة الفساد والإصلاح القانوني والقضائي.تؤكد الورقة في النهاية مرة أخرى، على أن الحصار الشامل هو العقبة الأساسية في وجه التنمية وان تنفيذ خطط تنموية طويلة المدى لإصلاح التشوهات في ظل الحصار أمر صعب ومن ثم فلا مناص من البدء بإستراتيجية قصيرة الأمد لدعم صمود المواطنين والتخفيف عنهم.
أولا- مقدمة
تواجه التنمية الاقتصادية في الدول النامية مشكلات عسيرة حتى في ظل الظروف الاعتيادية، لكن التنمية في بلد يخضع لاحتلال أجنبي تمثل تحديا اكبر واخطر. إذ تشير أدبيات التنمية إلى أن طبيعة العلاقة بين اقتصاد المستعمِر "بكسر الميم" واقتصاد البلد المحتل هي علاقة سيطرة/ تبعية. حيث يستلب الاحتلال قدرة البلد المحتل على التطور والنماء، من خلال مجموعة كبيرة من السياسات والقيود.
ولما كان الحصار بمفهومه الشامل - مجمل السياسات الإسرائيلية تجاه الأراضي الفلسطينية- يمثل منهجا أساسيا للسياسة الإسرائيلية قبل قيام السلطة وبعده، فلابد من فهم العلاقة بين الحصار ومستقبل عملية التنمية بافتراض ان الحصار يمثل التحدي الرئيسي لمستقبل التنمية في الأراضي الفلسطينية. فمن الواضح انه بعد أربعة عشر عاما من قيام السلطة لا تزال التدابير والسياسات التقييدية الإسرائيلية هي التي تطغى على الآفاق الاقتصادية للأراضي الفلسطينية.
ولا يخفى أن أهداف هذه السياسات "الحصار" تتمحور حول إضعاف الاقتصاد الفلسطيني-الضعيف أصلا، للقضاء على أية محاولات تنموية حقيقية تعزز من فرص قيام الدولة الفلسطينية بعيدا عن تصور الاحتلال ورؤيته.
بناء عليه، فان وضع الاقتصاد الفلسطيني على مسار النمو يتطلب فهم الأوضاع المؤثرة في إمكانيات التنمية الطويلة الأجل لهذا الاقتصاد، وبخاصة الهياكل التي أنشئت في أعقاب احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، والبنية المؤسسية التي تؤثر في آليات نموه. إن هذه الهياكل والبنى المؤسسية حددت بلا شك مسار تطور معين لا سبيل للخروج منه في ظل تبعية الاقتصاد الفلسطيني الكاملة للاقتصاد الإسرائيلي.
تهدف هذه الورقة لتحديد أثر الحصار بمفهومه الواسع على مستقبل عملية التنمية، وسوف تهتم الورقة بالتفرقة بين الحصار والإغلاق، لأهمية ذلك في تحديد الآثار على عملية التنمية وليس على بعض المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية كالبطالة والفقر، التي هي مظاهر وأعراض للمشكلة.
تستعرض الورقة عدة مواضيع، بعد تحديد مفهوم الحصار، مثل آليات الحصار وآثاره الاقتصادية، والتحديات التي يفرضها الحصار على عملية التنمية، ومن ثَمََ تنتهي الورقة بوضع تصور عام لرؤية مستقبلية للتنمية في الأراضي الفلسطينية.
ثانيا- الحصار: المفهوم والآليات
يتمحور مفهوم التنمية الاقتصادية حول إحداث تغيرات جذرية في الهياكل والبني الإنتاجية والتنظيمية في المجتمع من اجل القضاء علي التشوهات المورثة ومن ثم الوصول إلي زيادة معدلات النمو الاقتصادي واستدامته . يؤكد هذا المفهوم علي أن عملية التنمية الاقتصادية عملية مقصودة تحتاج إلي قرارات وجهود إرادية واعية من قبل المجتمع بمكوناته المختلفة. ومن ثم فإن الحديث عن مستقبل التنمية في فلسطين وفقا لهذا المفهوم يقتضي التركيز علي النقاط الآتية:
آليات الحصار:
إن علاقة التبعية /السيطرة بين الاقتصاد الفلسطيني والإسرائيلي والتي أدت عمليا إلي حصار الاقتصاد الفلسطيني ، قد تمت من خلال آليات متعددة2:
1- تمثل ابرز تلك الآليات في الإجراءات التي شكلت مجتمعه ما يشار إليه باسم " شبه الاتحاد الجمركي" فطوال فترة الاحتلال كانت هذه الإجراءات تسمح بحركة السلع واليد العاملة بين الاقتصادين في إطار فرض قيود غير متبادلة ، حيث كانت الصادرات والواردات الفلسطينية تخضع لتدابير معقدة فيما يتصل بإصدار شهادات الاستيراد والتصدير من خلال الأوامر العسكرية مع فرض حدود علي أنواع وكميات المواد الخام المسموح بدخولها إلي الضفة الغربية وقطاع غزة ، وكانت الصناعات تخضع لسياسات ضريبية تمييزية، ولحواجز تجارية غير تعريفية، وكانت مرتبطة بقنوات الإنتاج الإسرائيلية من خلال ترتيبات التعاقد من الباطن ، وهذه مقترنة بمحاصرة الموارد الطبيعية الفلسطينية ، قد أدت فعليا إلي فرض حدود علي آفاق تنمية الاقتصاد.
لقد أفضت هذه السياسات إلي نشوء علاقات تجارية غير متكافئة ، وقيود تنظيمية ، وضغط ضريبي ، وتقلص في إمكانيات الوصول إلي الموارد الطبيعية .
2- تم إضفاء الطابع الرسمي علي شبه الإتحاد الجمركي بموجب شروط بروتوكول عام 1994بشأن العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية " المعروف باسم بروتوكول باريس "، والواقع أن العلاقة الاقتصادية الفلسطينية– الإسرائيلية هي أبعد ما يكون عن إتحاد جمركي أو شبه إتحاد جمركي ، حيث استمرت علاقات التبعية والسيطرة بل وتطورت إلي ما هو أبعد من ذلك.
3- الإغلاق المتكرر والشامل:
منذ العام1996 أفرغت السياسات الإسرائيلية كل الاتفاقيات،خاصة الاقتصادية من مضمونها ، حيث استخدمت سياسة الإغلاق المتكرر الجزئي والشامل للأراضي الفلسطينية والتي توجت بالحصار الخانق لقطاع غزة منذ حزيران 2006 وحتى الآن، لقد اتخذت إسرائيل من خلال هذه السياسة كافة الإجراءات التي تعوق وتحد من تنقلات الأفراد والبضائع بين أجزاء الوطن الواحد، بحيث أصبحت ظاهرة الإغلاق وفرض القيود علي الحركة ‘ هي الظاهرة العامة التي ميزت الفترة التي تلت قيام السلطة الفلسطينية .
4- مصادرة الأراضي وتجريفها وتدميرها :
ترافقت السياسات الإسرائيلية التصعيدية لقطاع غزة - قبل الانسحاب أحادي الجانب وبعده- بسلسلة من الاعتداءات تمثلت بمصادرة الأراضي وتجريف الأشجار والمحاصيل وردم الآبار وإقامة الحواجز في الضفة الغربية وإنشاء جدار الفصل العنصري الذي سيصل طوله بعد الانتهاء منه إلي 670كم. كذلك دمرت الآليات الإسرائيلية كافة المزارع والأشجار التي تقع علي طول الحدود الشرقية الخاصة بقطاع غزة.
كانت
تلك الآليات الرئيسية التي يستخدمها الاحتلال
لحصار الضفة الغربية وقطاع غزة ، لمنع أية
تطورات اقتصادية وسياسية وللإبقاء علي
الهياكل التي أنشأها الاحتلال لضمان تبعية
الاقتصاد الفلسطيني ، وستحاول الفقرة التالية
إجمال القيود الرئيسية التي يفرضها الحصار
علي التنمية .
ثالثا – القيود التي يفرضها الحصار علي التنمية:
1- الافتقار إلي السيادة الوطنية:
لم توفر أي من الاتفاقيات التي عقدت بين السلطة وإسرائيل سيادة وطنية كاملة علي الأرض والموارد والحدود والمعابر ، ومن ثم تمثل هذه الاتفاقيات الأداة الرئيسية للحصار الشامل والقيد الرئيسي للتنمية والتطور الاقتصادي .وغني عن القول أن أوضاع الصراع التي اشتدت في الأراضي الفلسطينية وحالة عدم الاستقرار السياسي وعدم التمكن من ممارسة السيادة وإقامة الدولة الموعودة ، كان لها تأثير سلبي شديد علي قدرة السلطة الفلسطينية علي تأمين مقومات أي حكم للأرض المحتلة ، ناهيك عن التطلع إلي إرساء نموذج حكم خال من الفساد وقائم علي أفضل الممارسات3 ، وهو الشرط الضروري لتحقيق تنمية اقتصادية ناجحة ترضي تطلعات الشعب الفلسطيني .
2- التشوهات الهيكلية في الاقتصاد:
يعاني الاقتصاد الفلسطيني من تشوهات هيكلية متعددة نتيجة للربط القسري طويل الأمد مع الاقتصاد الإسرائيلي ، والذي تفاقم حتى بعد إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية نتيجة استمرار الحصار الإسرائيلي بكافة أدواته وأشكاله . وتتمثل هذه التشوهات في مجموعة من الإختلالات في أسواق السلع والخدمات والموارد وهياكل الإنتاج والعلاقات الاقتصادية مع العالم الخارجي ، والموارد الملية وتشوهات المرافق العامة والبني التحتية ، وتشوهات مصالح الفئات والأشخاص التي نجمت عن ارتباط مصالح فئات فلسطينية معينة بالاقتصاد الإسرائيلي .إضافة إلي التشوهات الجغرافية نتيجة للسيطرة الإسرائيلية علي الأراضي ومصادرتها وعدم بسط السيادة الفلسطينية علي مختلف الأراضي الفلسطينية4 .
3- عدم القدرة علي وضع سياسة اقتصادية فعالة:
تمثل السياسة الاقتصادية الإجراءات التي تتخذها الحكومة من أجل تحقيق أهدافها ، ومن خلال استعراض الآليات السابقة والقيود أعلاه ، من الواضح أن هناك محدودية في لائحة أدوات السياسات الاقتصادية المتوفرة أمام السلطة لإعادة إحياء الأداء الاقتصادي ، وكما يشير تقرير للبنك الدولي، فإنه قد تم تقليص هامش السلطة الفلسطينية علي المناورة الاقتصادية علي المدى المتوسط لتصبح مقيدة بإجراءات مرتبطة بالمناخ التجاري والرقابة علي إدارة الإنفاق العام . إن شدة وطأة نظام الإغلاق وانعدام القدرة علي التنبؤ حول مواعيد الإغلاق من ناحية التوقيت والموقع تؤدي إلي تقليص أهمية أية سياسات أو إصلاحات تتخذها السلطة .
إن عدم قدرة السلطة علي استخدام الأدوات التي تشملها السياسة المالية والسياسة النقدية بالكامل يعزز صعوبة تمكين السلطة من وضع رؤية تنموية رفيعة وملائمة ناهيك عن تنفيذ هذه الرؤية وتطبيقها . يشير تقرير الإنكتاد الأخير6 بأن حيز السياسات العامة المتاح حاليا للسلطة لا يسمح بما هو أكثر من تخصيص موارد عامة محدودة وغير مؤكدة وهو يقل إلي حد كبير عن السياسات الضريبية والنقدية والتجارية وأسعار الصرف والعمالة.
4-التدهور الاقتصادي وتآكل القدرة الإنتاجية :
ليس هناك شك بأن الحصار الشامل الذي فرض علي الاقتصاد الفلسطيني يمثل أشد صدمة ضارة شهدها هذا الاقتصاد علي مدي العقود السابقة ، وخلال الثمان سنوات السابقة فقط شهدت الأراضي الفلسطينية تدهورا غير مسبوق في النشاط الاقتصادي ، وجاء ذلك نتيجة طبيعية للممارسات الإسرائيلية القمعية التعسفية مقرونة بالمقاطعة الدولية والانقسام السياسي الفلسطيني الأمر الذي أدي إلي انخفاض كبير في مستوي معيشة الفرد الفلسطيني حيث تشير التقديرات الأولية للنشاط الاقتصادي في الربع الأول من سنة 2008 إلي أن متوسط دخل الفرد في العام 2008 قد يتدني إلي 70% عما كان عليه عام 19997 . وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء وبيانات سلطة النقد ، كما وردت في تقرير المراقب الاقتصادي والاجتماعي العدد (11) تموز 2008 إلي أن الناتج المحلي الإجمالي قد تراجع بنسبة 3.1%عام2007 ، وذلك بالأسعار الثابتة8 .
عموما ، لقد أدت قلة الاستثمارات في البنية التحتية التابعة للقطاع العام والشركات الخاصة إلي إزالة أية ملامح تذكر للقاعدة الإنتاجية الفلسطينية ، ما يجعل الاقتصاد أكثر اعتمادا علي المساعدات وعندما تتحسن الظروف ستبرز الحاجة للاستثمارات الكبيرة فقط لإعادة تأهيل الموجودات وخلق ثروة جديدة.
كذلك تراجعت الصادرات الفلسطينية بأكثر من 16% عام 2006 ، أما في القطاع فقد توقفت الصادرات كليا إذ أن الحدود ما كانت تفتح خلال معظم فترات عامي 2006 و2007. ومنذ أحداث شهر حزيران 2007 أغلقت هذه الحدود بشكل كامل ولم تكن هناك أية صادرات تجارية ، لقد أدي هذا الوضع إلي تآكل القدرة الإنتاجية ونشوء بيئة مثبطة للقطاع الخاص.
ومحصلة ما سبق تشير إلي حدوث تقلص مستمر
في قدرة العرض في اقتصاد محطم أصلا فقد
تزايد العجز التجاري من 1.8مليار دولار سنة
2001 إلي 2.6 مليار عام 2004 أي ما يمثل 65%من الناتج
المحلي ، ووصل عام 2007 إلي 2.1 مليار دولار
مع إسرائيل فقط رغم توقف الصادرات وانخفاض
الواردات بشدة في قطاع غزة .وبصفة عامة
يرجع ثلثا العجز التجاري إلي الإختلالات
المزمنة مع ميزان التجارة مع إسرائيل،
ومن أجل سد هذا العجز علي مدي السنوات الماضية
وجه الاقتصاد الفلسطيني فعليا إلي إسرائيل
ما يعادل كل المعونة التي حصل عليها من
المجتمع الدولي كإغاثة خلال الأزمة المستمرة
بالإضافة إلي ما يعدل نصف تحويلات العاملين
في إسرائيل11 .
استكمالا لهذه الفقرة الخاصة بالفقر وتدهور مستويات المعيشة للأسر الفلسطينية تشير دراسة للانكتاد17، إلي أن التغيرات التي شهدتها السنوات الأخيرة قد تزايدت حدة من جراء استراتيجيات التعامل مع واقع الحال والتي اعتمدتها الأسر الفلسطينية في مواجهة ما تكبدته من خسائر في الدخل . فبالإضافة إلي خفض النفقات وتحويل الطلب نحو تلبية الاحتياجات الأساسية، اشتملت تلك الاستراتيجيات أيضا علي بيع الممتلكات الشخصية وإرجاء دفع الفواتير والاقتراض . وبحلول نهاية عام2004 ، يبدو أن هذه الاستراتجيات قد استنفذت ، إذ تشير التقارير إلي أن نسبة 17% فقط من الأسر الفلسطينية كانت لديها مصادر دخل كافية للصمود ومواجهة الأوضاع المناوئة لمدة تزيد عن سنة. وفي حين أن نحو 44% من الأسر كانت تجد صعوبة متزايدة في تحمل تكاليف العلاج الطبي ، فقد كان هناك ما نسبته 49% من الأسر في حاجة ماسة للمساعدة الطارئة في شكل إمدادات غذائية.
5-صعوبة قيام علاقات اقتصادية مع دول العالم :
يعاني الاقتصاد الفلسطيني من عدم قدرته علي إقامة علاقات اقتصادية متنوعة مع الدول العربية والإسلامية وباقي دول العالم ، محكوم في ذلك باتفاقية باريس الاقتصادية التي تحدد هذه العلاقات بدرجات منخفضة مع مصر والأردن فقط ، وبعدم سيطرته علي الحدود والمعابر ، وبآثار الحصار الشامل الذي فرض علي الاقتصاد الفلسطيني في ظل إغلاق قطاع غزة قيودا صارمة حتى في التعامل مع السوق الإسرائيلي. إن السنوات الخمسة عشر اللاحقة لإنشاء السلطة الفلسطينية لم تسعف الاقتصاد بإقامة علاقات اقتصادية واسعة نتيجة البنية الهيكلية للاقتصاد الفلسطيني وتبعيته التامة للاقتصاد الإسرائيلي وقد شكل هذا حافزا لاستمرار هذه العلاقة وعائقا أمام تطور علاقات تجارية مميزة مع العالم العربي .
لقد كان الاقتصاد الإسرائيلي وما زال السوق الرئيسي للصادرات الفلسطينية حيث استوعب ما نسبته94% من الصادرات في المتوسط خلال الفترة "95-2000"، ومثل المصدر الرئيسي أيضا للواردات والتي وصلت نسبتها إلي 86%خلال نفس الفترة.
إن التشابكات والتعقيدات في العلاقات التجارية والاقتصادية مع إسرائيل بلغت شأوا كبيرا ، فقد تعددت المحاولات لوصف هذه العلاقات هل هي اتحاد نقدي أم اتحاد جمركي ؟ ولم تستقر الأدبيات في هذا الموضوع على توصيف يتلاءم مع النظريات الاقتصادية في هذا المجال ، حيث شاع توصيف الإنكتاد لهذه العلاقة التي سماها "شبه اتحاد جمركي" متجاوزين في ذلك كافة المفاهيم والأعراف الاقتصادية . إن المركز الإسرائيلي المهيمن يدفع الاقتصاد الفلسطيني في اتجاه متزايد من الاعتماد علي إسرائيل كوجهة للعمالة الفائضة وللتصدير وكمصدر للواردات. يساعد علي ذلك استمرار فعالية الهياكل التي أنشأت بعد الاحتلال واستمرت حتى الآن في تحديد مسار تطور معين لا سبيل للخروج ن في ظل هذه التبعية الكاملة.
لقد تحمل الاقتصاد الفلسطيني تكاليف كبيرة في ظل الحصار والإجراءات الإسرائيلية فالتجارة تمر أساسا عبر الموانئ الإسرائيلية، إلا أن القيود والشروط الأمنية الإسرائيلية ، والرسوم الجمركية المرهقة، وإجراءات النقل البري المطبقة عند الحدود الرئيسية ، قد جعلت الأنشطة التجارية باهظة التكلفة إلي حد لا يطاق ، وتشير تقديرات حديثة أجرتها الإنكتاد إلي إن التكاليف التي يتحملها التجار الفلسطينيون هي اعلي بنسبة لا تقل عن 30%من تلك التكاليف التي يتحملها نظراؤهم الإسرائيليون. وتواجه السلع المنتجة في غزة والموجهة إلي الأردن تكاليف باهظة أيضا. وهذه الأرقام تبرز التحدي المتمثل في زيادة الصادرات في ظل تكاليف معاملات مبالغ فيها وأوضاع سيئة فيما يتصل بالوصول إلي الأسواق20 .
إن هذا القيد الرئيسي والخاص بصعوبة قيام علاقات اقتصادية مع دول العالم لعب دورا أساسيا في تعطيل جهود التنمية ، إذ أن التجارة الخارجية تلعب دورا مهما في اقتصاد صغير يفتقر إلي الموارد مثل الاقتصاد الفلسطيني، حيث يجب أن تمثل الصادرات رافعة لزيادة مستوي الدخل القومي ، وتوفر الواردات ما يلزم من المواد الخام والسلع الوسيطة لعملية الإنتاج وزيادة حجم الاستثمارات.
6- القيود المالية والسياسة العامة:
إن عدم توفر أدوات السياسة العامة إلا بقدر محدود يضع السلطة الفلسطينية في وضع غير موات إلى حد بعيد في التصدي للتشوهات التي يعاني منها الاقتصاد الفلسطيني، أو في أولوياتها الإصلاحية، أو حتى محاولة إخراج الاقتصاد من حالة التراجع المستمر. فالمالية العامة صغيرة للغاية والميزانية تعاني من حالة عجز مزمن. ومما يزيد من إضعاف الجهود الإنمائية التي تبذلها السلطة الفلسطينية ضعف قدرتها المؤسسية، حيث لا تزال الوزارات تكابد من اجل تجاوز حالة التآكل التدريجي لاختصاصاتها منذ الانتفاضة. ويشكل عدم توفر الأمن عنصرا آخر يحوّل اهتمام السلطة بعيدا عن الجهود الإنمائية ويوجهه نحو تلبية الاحتياجات الإنسانية الطارئة ونحو الإدارة المستمرة للازمة.
يضاف
إلى هذه القيود تحكم إسرائيل بتحصيل الرسوم
الجمركية وضريبة القيمة المضافة المفروضة
على الواردات، وحجزها متى شاءت كسياسة
عقابية وابتزازية في إطار الحصار الشامل،
مما يفاقم عجز الموازنة، ويمنع السلطة
من تنفيذ خططها المالية والتنموية.
رابعا- نظرة إلي الأمام :
يشير العرض السابق إلي وجود تحد متعدد الأبعاد يواجه جهود التنمية الفلسطينية ، حيث يتوجب المضي في عملية التنمية وإنعاش الاقتصاد والإعمار في ظل أوضاع صراع مناوئة وغير مستقرة ، وقيود مكثفة ومنهجية مفروضة علي كافة الأنشطة الاقتصادية ، أصبحت تمثل منظومة معقدة من السياسات والإجراءات الإدارية والأمنية التي تجتمع معا لتعيق النمو الاقتصادي الفلسطيني ، وذلك في إطار الافتقار إلي السيادة الوطنية الكاملة والانقسام السياسي والوطني لجناحي الوطن.
لابد بداية من التركيز علي النقاط الآتية في مستهل حديثنا عن نظرة مستقبلية للتنمية الفلسطينية :
1-إن ما يشهده الاقتصاد الفلسطيني من فقر وبطالة وتآكل للقاعدة الإنتاجية وإختلالات هيكلية ، ليست هي المشكلة ، بل مظاهرها فقط ، فجوهر المشكلة وسببها علاقة التبعية الكاملة للاقتصاد الإسرائيلي ، والتي في إطارها تستطيع إسرائيل فرض الحصار علي الأراضي الفلسطينية التي تسيطر علي حدودها ومواردها متى شاءت وكيفما شاءت . وبناء عليه ، فان أي عملية تستهدف تحقيق تنمية مستقلة لابد أن يكون هدفها العمل بشكل منهجي ومدروس لإعادة صياغة هذه العلاقة بما يخدم مصلحة الاقتصاد الفلسطيني .
2- من نافلة القول أن الحديث عن التنمية في ظل الانقسام السياسي الحالي للأراضي الفلسطينية هو حديث لا طائل من ورائه ، فالتنمية تحتاج إلي خطة إستراتيجية واحدة لتنمية الوطن وهو لن يكون متيسرا في مثل هذه الظروف.
3- إن العلاقة مع إسرائيل ستبقي ولمدة طويلة ، والي أن يتم التوصل للتسوية النهائية واعتراف إسرائيل بالدولة الفلسطينية فوق الأراضي الفلسطينية التي تم احتلالها عام 1967، علاقة صراع وستحاول إسرائيل تفريغ أي اتفاق للتسوية من مضمونه إذا ما أجبرت علي الانخراط فيه تحت وطأة الضغوط الدولية . وعليه فمن الخطأ الاستمرار بمناهج البحث السابقة في ظل استمرار الطابع الصراعي الذي يسود العلاقات الفلسطينية- الإسرائيلية، الأمر الذي يعني ضرورة انتهاج سياسات اقتصادية تعزز صمود الشعب الفلسطيني ، وترفع كلفة استمرار الاحتلال وتخفض كلفة مقاومته وتعمل علي التصدي لسياساته وممارساته الهادفة إلي خلق وقائع تكرس الاحتلال21 . إن تبني مثل هذه السياسات يحتاج لرؤية تنموية واضحة تنطلق من صعوبة الواقع المعيشي ،وهذا ما سنتعرض له لاحقا.
4- يؤثر الوضع السياسي بشدة في قدرة الطرف الفلسطيني علي القيام بالجهود المطلوبة للتنمية ، بالإضافة إلي طبيعة الاتفاقيات السياسية والاقتصادية مع إسرائيل، والممارسات الإسرائيلية علي الأرض . علي أية حال إن العودة إلي الإطارين السياسي والاقتصادي السابقين لا يشكل وضعا مواتيا للبدء في تحقيق عملية التنمية ، فلابد من تغيير جذري لطريقة التعامل مع الموضوع والفهم العميق للسياق الذي تحدث فيه.
في المقام
الأخير فان مدي تأثير الحصار الشامل علي
مستقبل التنمية سوف يتوقف بالأساس علي
طبيعة ما يتم التوصل إليه من اتفاقيات في
إطار المفاوضات الجارية أو غيرها.
يتضح مما سبق أن الحصار الشامل يمثل عقبة أساسية في وجه التنمية، ذلك أن الحصار قد تحول إلى منظومة أمنية سياسية إدارية تمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها في السيطرة على الأرض ومحاولة اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وإحلال المستوطنين اليهود مكانه، وتفريغ أية محاولات لتطوير الاقتصاد الفلسطيني من مضمونها.
لذلك
رأى الباحث أن تنقسم الاستراتيجيات المطلوبة
إلى قصيرة المدى وأخرى بعيدة المدى وفقا
لما يلي:
إستراتيجية قصيرة المدى:
تهدف
هذه الإستراتيجية وهي تعالج المرحلة الراهنة
إلي تعزيز صمود الشعب الفلسطيني ومساعدته
على التشبث بأرضه وحقوقه، والى تحسين مستوى
المعيشة للمواطنين، وتتمثل عناصرها فيما
يلي:
تمثل الإستراتيجية قصيرة المدى كما اتضح أعلاه، آليات آنية وفورية لحماية الشعب ومؤسساته، ومن المهم هنا التركيز على أن هذه الإستراتيجية يجب لكي تؤتي ثمارها بكفاءة وسرعة، أن تتم في الإطار الذي يشمل العناصر الآتية:
هذه الإستراتيجية تهدف إلى وضع الأسس لتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة تقضي على الإختلالات الهيكلية وتعمل على رفع مستوى دخل الفرد تحي مستوى رفاهية ملائم للمواطن الفلسطيني. وهي إستراتيجية طويلة المدى قد تمتد عقود، بحكم طبيعة العملية التنموية نفسها، حيث أن إصلاح التشوهات التي سبق الحديث عنها أمر ليس سهلا ويحتاج إلى انجازات متراكمة تصل في النهاية لغايتها. وتتمثل العناصر الرئيسية لهذه الإستراتيجية في:
لاشك أن متطلبات التنمية في المدى الطويل كثيرة ومتشابكة وتشمل كافة العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية، وتحتاج إلى تضافر جهود كافة التراكيب المجتمعية، وما سبق يمثل مقترحات لخطوط عريضة تحتاج لإثراء وتطوير.
***
لابد
أن نعيد التأكيد في نهاية هذه الورقة، بأن
الحصار الشامل بكل أشكاله وأدواته يمثل
العقبة الأساسية في وجه التنمية، وانه
من الصعب وضع خطط تنموية اقتصادية في ظل
الحصار، وان الاستقرار يعتبر شرطا ضروريا
لنجاح عملية التخطيط للتنمية وتنفيذ برامجها.
لذلك رأينا أن الحديث عن إستراتيجية قصيرة
المدى تواجه الحصار وآثاره، يعتبر مدخلا
مهما للبناء عليه من أجل إعداد إستراتيجية
تنموية طويلة المدى في ظل انحسار الاحتلال
وقيام الدولة الفلسطينية العتيدة.
الهوامش والمراجع