Prof. Fadel Abu Hein

Al-Aqsa University and Community Training Center and Crisis Management - Gaza


 

تأثير الحصار على الصحة النفسية للفلسطينيين

Siege and Mental Health, Siege Stress, Emotional and Behavioral Problems
of  Palestinian Children and their Parents Living under Siege: "Gaza Experience"

د. فضل أبو هين

أستاذ علم النفس بجامعة الأقصى

مدير مركز التدريب المجتمعي وإدارة الأزمات

 

DOWNLOAD

بادئ ذي بدء أود أن أوضح بأن الصحة النفسية حالة تتحقق للإنسان من خلال العلاقات  بين أفراد المجتمع ، فإن كانت العلاقات التي يقيمها الفرد مع المحيطين له قائمة على الراحة والهدوء والأمن ، فإن النتيجة هي صحة نفسية هادئة وشعوراً مرتفعاً بالهدوء والأمن النفسي.

فكما تعلمون جميعاً بأنه لكل فعل رد فعل وان المخرجات تتحدد من طبيعة المدخلات ، وهي ما تؤثر في هدوء النفس واستقرار العقل والعواطف الإنسانية. أما إذا عاش الفرد في واقع معادي له ملئ بمصادر التوتر والقسوة ، فإن صحته النفسية تتلوث حسب نوع المعاملات التي يعيش فيها الشخص.

-لنتصور قطعة إسفنج وضعت على ماء مسكوب على طاولة ... ماذا يحدث ؟ يحدث ان تقوم قطعة الإسفنج بامتصاص المياه . أي ان ما كان خارج قطعة الإسفنج أصبح الآن داخله بل وجزء منه ... وهذا هو حال الناس ، فطالما هم يعيشون في هذا الواقع يؤثرون ويتأثرون ، إذن كل جوانب ما يدور في هذا الواقع ومحيطه يتم استدخاله داخل وعي وعقل الإنسان وبهذا يؤسس بناؤه النفسي الداخلي .

فإن كانت الصور والأحداث التي استدخلها هادئة ومريحة كانت آثارها النفسية مريحة وهادئة، لنتصور أي واحد فينا حينما يذهب لرحلة هو يريدها وكان بصحبته فيها أناس يحبهم وجلسوا جلسة حيوية جميلة ... ما هي الآثار التي ستتركها هذه الرحلة عليه ... الراحة والهدوء ،لكن لو حدث فيها نزاع وعراك وسوء علاقات فإنها ستنقلب للعكس ، هذا هو حالنا مع محيطنا وهذا هو أثر ما يدور في محيطنا على صحتنا النفسية .

-وطالما اجتمعنا اليوم في ظلال مؤتمر الصحة النفسية الخامس في أرض غزة -فلسطين، فإنني أقول أن بيئتنا الفلسطينية تلوثت بكل المقاييس وأخطرها التلوثات  النفسية ، فالتلوث بكلمة بسيطة هو إقحام عوامل ومؤثرات خطرة على بيئة الإنسان مثل الأبخرة والأتربة  والأدخنة وعوامل السموم التي انتشرت وروائح الزيوت المحروقة وهكذا ... إذا دخلت في جسم الإنسان أفسدت طبيعته وأدت لأمراض معينة ناتجة عن هذا التلوث . كذلك الحال مع البيئة النفسية للإنسان ، فإن دخول عوامل خطرة على النفس يفسد النفس البشرية ، فالآن هناك علاقات اجتماعية غريبة عن مجتمعنا دخلت عليه، وهناك سلوكيات يمارسها الناس تعتبر غريبة عنا ، وهناك العلاقات الغريبة التي نتجت عن التعصب والانقسام السياسي ، حيث أصبح مجرد طرح السلام على بعضنا البعض يفهم معناه بأمور كثيرة ، وجلوس فرد مع فرد من تنظيم آخر هو آخر ما نتصوره ، بل يستحيل الآن جمع أخوين في جلسة عائلية واحدة بسبب ما نحن فيه .

إنه التلوث النفسي الذي ملأ عقولنا بالتعصب وملأ عقول أبنائنا بشحنات صعبة ستشكل خطرأً مستقبلياً للأجيال القادمة وسيكون تأثيراته النفسية أشد خطراً من العيش تحت ظروف الحصار الإسرائيلي.

لكننا لا نريد أن نذهب بعيداً عن الموضوع المطلوب الحديث عنه وهو تأثير الحصار الظالم على الصحة النفسية للفلسطينيين ، ودعوني أولاً أن أنبه الأذهان أن ما نتعرض له ليس حصار بل هو خنق للمجتمع وللسكان وبالتالي يتعلق بحياة وموت المجتمع، فقد وصل عدد حالات الموت الناتج عن الخنق لأكثر من 250 حالة ، لكنني ورغم الأسى والألم الموجود داخلي من جراء هذا الحصار فإنني لا زلت بل من الخطأ القول أن التأثير النفسية البادية على نفوس الفلسطينيين هي من جراء الحصار ، لأنه لا يعقل بل ولا نستطيع أن نمحو آثار عقود من الزمن مرت بمحنتنا وصدماتنا وحجم الممارسات الشديدة  التي مارسها الاحتلال من قتل واغتيالات بشتى الطرق وهدم المنازل على روؤس ساكنيها إلى تهديد كل مصادر ومظاهر الحياة الآدمية ، نقول أن هذه العقود وما تضمنه من محن متلاحقة وكوارث صنعها الاحتلال لمجتمعنا هي التي أسست لبنية نفسية خطيرة ظهرت بادية للعيان في نفسية وانفعالات وعواطف وأفكار الفلسطينيين، بالله عليكم كيف تصفون الوضع النفسي لعائلة هدى غالية التي كانت برفقة عائلتها في رحلة بحرية لقضاء  برهة من الزمان والاستمتاع بها وإذ بها وفي لمح البصر تأخذها لفتة للوراء إذ بالناس الذين تركتهم أحياء إذ هم أشلاء والآدميين الذين كانوا منذ ثوانٍ معدودة يتكلمون ويتحركون إذ بهم قطع لحم متفحم وأجساد تسيل منها الدماء ، الأب الذي هو رمز الحماية والآمان للطفل إذ به ملقى على ظهره على التراب ميتاً. أليس هذا المشهد من الأهوال ... وماذا ترك لدى الطفلة ؟ تركها حائرة هائمة على وجهها تذهب هنا وهناك وتجري بلا وعي وبلا توازن ، تارة تقع أرضاً تضرب بيديها رمال البحر ، وتارة أخرى تجري نحو مياه البحر في أصدق تعبير نفسي عن الصدمة وهول مفاجئتها وضياع قدراتها على التوازن وغياب  السيطرة والتحمل للعقل البشري.

هذه هي ردود الفعل النفسية السريعة التي تسيطر وتتملك الإنسان لحظة وقوع الصدمات النفسية ... وكم من آلاف هدى غالية وقعوا ضحايا الاحتلال وممارساته. وكم من ضحايا وقعوا صرعا الأحداث الداخلية بأيدي فلسطينية كان وقعها أشد صعقاً للعقل البشري لأطفال فلسطين لأنها أتت من ذوي القربى.  

-إنها الصدمة النفسية التي لو قارنا بيننا وبين شعوب العالم كله ، لتفوق الشعب الفلسطيني بصدماته كماً وكيفاً وإنني هنا لا أريد أن اظلم العالم وأقول انه لا يعاني بل يعاني لكن معاناته تحدث له مرة واحدة في العمر ... لكن صدماتنا هي ممتدة ومستمرة ومتناقلة عبر الأجيال حيث أن صدمة جيل أجدادنا لا تقل خطورة عن صدمة جيل آبائنا ولا تقل عن حجم وعمق جراحاتنا نحن ولا جراحات أبنائنا اليوم الذين يعانون من تأثيرات الاحتلال الإسرائيلي.

-إن استمرار ممارسات الاحتلال ضد أبناء الشعب خلق لدينا كشعب فلسطيني ما يمكن أن نطلق عليه بالإرث الجماعي والذاكرة الجماعية للأحداث الصعبة ، هذه الذاكرة وللأسف مليئة بالألم والحسرة ومن ثم تم تناقل هذه الذاكرة من خلال مواقف الحياة للأجيال اللاحقة.

-من المعروف علمياً أن لون النفس من لون ما يدور حولها ، وكل مكونات النفس ما هي إلا امتصاص لطبيعة الأحداث ومواقف الحياة التي يعايشها الفرد ، فإن كانت أحداث الواقعة في حياة الإنسان أحداثاً مفرحة وسارة نتج عنها الشعور النفسي بالسعادة والسرور ، لكن الأحداث إن كانت أليمة كان الألم النفسي والحسرة النفسية وهو ما وجد لدينا كشعب فلسطيني منذ عشرات السنين واتى الحصار الآن ليتوج لنا حجم المأساة النفسية فالحصار تأثيراته من نوع آخر ... إنه يؤثر على كرامة ورجولة الآباء ويتعلق بطبيعة العلاقات  بين أفراد الأسرة بعضها البعض ويتعلق بقدرة الزوجة كزوجة على القيام بدورها ويتعلق بإشباع حاجات الأبناء داخل الأسرة ... إنه يخلق حالة من الحرمان لدى كل فئات المجتمع ويتعلق بحاجاتهم وصورتهم أمام أنفسهم وما أصعبة من شعور  ويخدش كرامة كل جنس  في المجتمع ويعطل فاعلية دوره المتوقع منه ، وبالتالي يترك داخل النفس جرحاً نازفاً مستمراً ، إنه مشهد الذات امام الآخرين ، مشهد تتبدل فيها الذات التي كانت فاعلة وقادرة إلى ذات عاجزة حائرة لا تقوى على عمل شيء بخصوص أعز ما يملك الآباء وهم الأبناء .

حينما لا يستطيع الأب تلبية حاجات أبناءه , وحينما تقف الأم تنظر بالعين ولا تقوى على عمل شيء، وحينما ينظر الأب لولده المريض فلا يقوى لتقديم الخدمة له .

-إنه شعور قاسٍ بكل معنى الكلمة ، حينما يكون الأب قادر وبكل قوة لإشباع حاجات الأبناء لكنه عاجز عن ذلك ، من هنا لو عرفنا أن الظلم لو كان واقعاً من الخارج فإن المجتمع يستجمع قواه للمواجهة، لكن حينما يكون من الداخل فالمشكلة أصعب واخطر ... وهو ما نجده من تأثيرات قاتلة للحصار.

-لقد أجريت العديد من الدراسات وآخرها هذه الدراسة التي تتناول الوضع النفسي للسكان خلال هذه الفترة ، ليس لدراسة الحصار لكن لدراسة كل مؤثرات الحياة على الإنسان الفلسطيني ، فكانت نتائجها كما يلي :  

1-عينة الدراسة :

      تم اختيار عينة الدراسة بشكل عشوائي، وقد بلغ مجموع أفراد العينة المشاركين في الدراسة 2300 أسرة ، وبلغ عدد الأطفال ممن تقع أعمارهم بين 8-15 سنة ، التي أدخلت بطاقاتهم للحاسوب حوالي 2286 وكانت عدد 14 بطاقة غير مكتملة فتم حذفها واعتبرت من ضمن المفقود.

بلغ عدد الذكور في العينة حوالي 1055 طفل بمعدل 47% من المجموع العام للمشاركين في البحث،وأما عدد الإناث فكان 1231 طفلة بمعدل 53% من المعدل العام،وقد كان توزيعهم حسب المناطق كالتالي: 

1- على الآباء :

   
نعم لا
ج.أ أصبح الأب أكثر عنفاً وعصبية ضد الأم. 60% 40%
ج.ب أصبح الأب أكثر عصبية وعنفاً ضد الأبناء. 66% 34%
ج.ج أصبح الأب يخرج كثيراً من المنزل. 70% 30%
ج.د أصبح الأب لا يغادر المنزل. 21% 79%
ج.ه أصبح الأب أكثر تدخلاً في كل صغيرة وكبيرة في البيت 62% 38%
ج.و أصبح الأب لا يحتمل أي شئ من الأم والأبناء. 52% 48%
 

2-الأمهات :

   
نعم
لا
أ. أصبحت الأم أكثر عصبية مع الأب. 77% 23%
ب. أصبحت الأم اكثر عصبية مع الأبناء. 70% 30%
ج. أصبحت الأم لا تطيق الجلوس في البيت وتحاول الخروج عند الأقارب. 19% 81%
د. أصبحت الأم أكثر إرتباطاً بالأبناء ولا تحاول مغادرة المنزل. 79% 21%
هـ أصبحت الأم أكثر خوفاً وعزلة عما قبل. 84% 16%
و. أصبحت الأم تتدخل في كل صغيرة وكبيرة وتنتقد الأب في كل شئ. 30% 70%
ع. أصبحت الأم تتدخل في كل صغيرة وكبيرة وتنتقد الأبناء في كل شيء. 76% 24%
 

2- على الأبناء :

   
أصبح الأبناء أكثر عصبية وتوتراً 85% 15%
ظهرت لدى بعض الأبناء مشاكل في النوم. 81% 19%
ظهرت لدى الأبناء علامات الحزن والكآبة. 87% 13%
ظهرت لدى البعض علامات السرحان وعدم القدرة على التركيز. 79% 21%
ظهرت لدى البعض علامات العنف والعدوان. 72% 27%
أصبح بعض الأبناء أكثر التصاقاً بالأب أو بالأم. 63% 36%
أصبح بعض الأبناء يحاول الخروج من المنزل بصورة أكبر. 61% 39%
أصبح بعض الأبناء لا يأكل كالمعتاد. 53% 47%
أصبح بعض الأبناء يخشى الذهاب للمدرسة إلا برفقة الأم. 17% 83%
أصبح لدى البعض قلق أثناء النوم. 83% 17%
أصبح البعض يعاني من كوابيس وأحلام مزعجة. 82% 18%
أصبح البعض يخاف من الظلام. 79% 21%
أصبح البعض يخاف من القصف أو صوت الطائرات. 83% 17%
أصبح لدى البعض حزن غير طبيعي. 46% 54%
أصبح البعض يتمنى الاستشهاد. 78% 22%
أصبح البعض أكثر ميلاً للتخريب وإتلاف ما في المنزل. 42% 58%
أصبح البعض لا ينام إلا عند الوالدين. 47% 54%
أصبح البعض هادئاً أكثر من اللازم. 22% 78%
أصبح البعض أكثر ميلاً للمثابرة أو النشاط. 30% 70%
تأثر طموح البعض فأصبح لا يرغب في شئ ولا يطمح في شئ من المستقبل. 47% 54%
أصبح لدى البعض رغبة أكثر في الموت وانتهاء الحياة. 54% 46%
 
 
 
 
 

وكذلك بينت لنا نتائج الدراسة المتعمقة على العينة الكلية أن :

1-أن 55% من مجموع السكان يعانون من قلق متوسط ، في مقابل 42% من حالات الاكتئاب المتوسط والذي يحتاج كلاً منهما لإرشاد وتدخل نفسي.

2-تبين أيضاً أن 12% من السكان يعانون من قلق شديد وان 9% من السكان يعانون من اكتئاب شديد بحاجة شديدة وماسة للعلاج النفسي والطب نفسي. (أي ما مجموعة 180ألف نسمة يعانون من القلق الشديد وأن 150 ألف نسمة يعانون من اكتئاب شديد)

3-الاخطر أنه ل ا تتوافر أماكن ترفيه وتعبير عن الذات في ظل الحصار وما نتج عنه من انقسام داخل فتت المجتمع الفلسطيني ونتج عنه حالة من الكراهية والتشفي بعضنا ببعض ، حالة من انفكاك الرباط العاطفي المجتمعي للناس عن بعضهم البعض وهو الأشد خطراً على الصحة النفسية والتي ننصح دائماً الناس الذين يتعرضون للصدمات بان يتم تنشيط حياتهم الاجتماعية مساندة المحيطين بهم لبعضهم البعض ، وفي ذلك تدعيم وتقوية للناس  وهذا بالطبع لا يتوافر إلا في ظل التعاضد والتواد والتحابب الاجتماعي وهذا السبب هو الذي مكن شعبنا من الوقوف في وجه ما عصف به من أزمات خلال  الانتفاضتين الماضيتين . لكن التفكك الاجتماعي هو الذي أبقى آثار حالة الخنق والحصار قوية داخلنا ، فلا الصديق ظل صديق ولا القريب ظل قريب بل انقلبت الكثير من المعايير وأبقت الحسرة متصاعدة داخل النفس البشرية.